الشيخ محمد النهاوندي
427
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
والدين لتأذّى واستنكف ، ومع ذلك يثبت لنفسه آلهة ، والحال أنّ المبالغة في التّوحيد أولى « 1 » . وقيل : إنّ المراد أنّ الطّفل كما يرجع إلى أبيه في طلب المهمّات ، ويكون ذاكرا له بالتّعظيم ، فكونوا أنتم كذلك في ذكر اللّه « 2 » . وروي عن ابن عبّاس أنّه قال في تفسير الآية : هو أن تغضب له لو عصي أشدّ من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء « 3 » . وحاصل جميع الوجوه أنّه يجب على العبد أن يكون دائم الذكّر ، ودائم التّعظيم ، ودائم الرّجوع إلى ربّه ، ودائم الانقطاع عمّن سواه . قيل : معنى أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً بل أشدّ ذكرا ، لأنّ موجبات ذكر آبائهم قليلة ، وصفات اللّه الكماليّة وحقوقه على عباده غير متناهية « 4 » . ثمّ أنّه لمّا كان ينبغي للعبد بعد أداء مناسك الحجّ - الذي به تنكسر النفس وترفع عنها غواشي الشّهوات ، وتوجّهه إليه بذكره الذي به تنجلي في القلوب أنوار عظمته وإشراقات جلاله - أن يشتغل بالدّعاء والطّلب للمهمّات ، ولذا بيّن اللّه تعالى اختلاف همم النّاس بقوله : فَمِنَ النَّاسِ الذين يشهدون هذا الموقف العظيم الذي تستجاب فيه الدّعوات مَنْ يَقُولُ في مقام الدّعاء افتتانا بلذّات الدنيا ، ونسيانا للآخرة ونعيمها رَبَّنا آتِنا نصيبنا ، وأعطنا حظّنا فِي الدُّنْيا من الجاه ، والغنى ، بدلا من الآخرة . ويجيب اللّه مسؤوله إن شاء وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ونصيب من كرامة اللّه ورحمته وثوابه ، لأنّ همّه كان مقصورا على الدنيا الدنيّة الزائلة ولذائذها الفانية ، وأعرض عن النّعم الدائمة الباقية لقصور العقل ، وعدم اليقين بالمعاد . عن ابن عبّاس : أنّ المشركين كانوا يقولون ، إذا وقفوا : اللّهمّ ارزقنا إبلا وغنما وبقرا وعبيدا وإماء ، وكانوا لا يطلبون التّوبة والمغفرة لأنّهم كانوا ينكرون البعث والمعاد « 5 » . أقول : وذلك جار في حقّ بعض المؤمنين الّذين يكون همّهم في الدنيا ، ويعملون لها ، وذلك
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 185 . ( 2 ) . تفسير الرازي 5 : 185 . ( 3 ) . تفسير الرازي 5 : 185 . ( 4 ) . تفسير الرازي 5 : 186 . ( 5 ) . تفسير الرازي 5 : 187 .